ابن عربي

246

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

بينهما حاجزا يفصل بينهما ، فذلك الحاجز المعقول هو البرزخ ، فلو لا ذلك البرزخ لم يتميز أحدهما عن الآخر ولأشكل الأمر ، فهو خط وهمي بين النقيضين لئلا يقع الالتباس . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 21 إلى 22 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) اللؤلؤ هو ما كبر من الجوهر ، والمرجان هو ما صغر منه . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 23 إلى 26 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) بزوال شكله وصورته وانتقال روحه إلى البرزخ ، فإنه سبحانه ما يسوي صورة محسوسة في الوجود إلا وينفخ اللّه فيها روحا من أمره ، لا يزال يسبحه ذلك الشكل بصورته وروحه إلى أن يزول ، فينتقل روحه إلى البرزخ ، وقال تعالى : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها » ولم يقل : كل من فيها « فانٍ » لأنه إذا كان فيها انحفظ بها وإذا كان عليها تجرد عنها . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 27 ] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) الجلال من صفات الوجه فله البقاء دائما ، وهو من أدل دليل على أن كل ما في الدنيا في الآخرة بلا شك ، قال تعالى : « وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ » فقال قائل : بأي نسبة يكون له هذا البقاء ؟ فقال : « ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » فرفع بنعت الوجه ، فلو خفض نعت الرب ، وكان النعت بالجلال وله النقيضان ، فيبقى الوجه الذي له النقيضان ولا يفنى ، وإنما يفنى ما كان على هذه الأرض فناء انتقال في الجوهر وفناء عدم في الصورة ، فيظهر مثل الصورة لا عينها في الجوهر الباقي الذي هو عجب الذنب ، الذي تقوم عليه النشأة الآخرة [ نصيحة - للإنسان وجهان : وجه إلى ذاته ووجه إلى ربه : ] - نصيحة - اعلم أن للإنسان وجهين : وجها إلى ذاته ووجها إلى ربه ، ومع أي وجه توجهت غبت عن الآخر ، غير أن هنا لطيفة أنبهك عليها ، وذلك أنّك إذا توجهت إلى مشاهدة وجهك غبت عن وجه ربك ذي الجلال والإكرام ، ووجهك هالك ، فإذا انقلبت إليه فني عنك وجهك ، فصرت غريبا في الحضرة تستوحش فيها ، وتطلب وجهك الذي كنت تأنس به